أبو الحسن الشعراني
227
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
حكما شرعيا متوقفا على جعله كالسببية والشرطية . فإن قيل : يكفى في انتزاع السببية أيضا جعل الحكم التكليفي ، فإنه إذا وجب الحج على المكلف عند الاستطاعة انتزع العقل منه سببية الاستطاعة من غير احتياج إلى جعل آخر . قلنا : ليس الكلام في تعدد الدليل ووحدته بل في تعدد الحكم . وحينئذ ففي إيجاب الحج عند الاستطاعة حكمان : الأول تقسيم المكلفين إلى قسمين مستطيع وغير مستطيع وتوجيه الخطاب إلى أحدهما . الثاني إيجاب الحج أعنى الأفعال المخصوصة . فإيجاب الحج من حيث هو حكم تكليفي لا يقتضى إلا تبين ماهية متعلقه أعنى أجزاء الحج ، وأما تعيين المخاطب من بين الناس فلا ، والوقت يمكن أن يفرض قيدا لمتعلق التكليف كالحج وصوم شهر رمضان ، فيستغنى بجعل التكليف عن جعله ، ويمكن أن يفرض علامة ومعرفا لتوجه التكليف فيكون سببا متوقفا على جعل آخر . وعليه يحمل تمثيل المعتزلة للسبب بالدلوك للصلاة ، لأن كون الصلاة في الأوقات ليس قيدا لماهياتها . وعلى كل حال فقد تبين أن ما ذكره صاحب الكتاب « 1 » في الحكم الوضعي ضعيف ، فإنه اختار كون أسباب المكلف به مجعولة دون أسباب التكليف ، مع أن خلافهم إنما هو في أسباب التكليف ، وأما أسباب المكلف به ، فلا كلام في عدم احتياجها إلى جعل مستقل ، والخلاف إنما هو في الاحتياج إلى الجعل المستقل لا في الاختلاف المفهومي .
--> ( 1 ) - يعنى كفاية الأصول . راجع الكفاية : 399 بحث الاحكام الوضعيّة .